محمد بن علي الشوكاني
2185
الفتح الرباني من فتاوى الإمام الشوكاني
[ 7 ] : واعلم أن هذا الذي سقناه هو عمدة أدلة المجوزين للتقليد ، وقد أبطلنا ذلك كله كما عرفت . ولهم شبهة غير ما سقناه ( 1 ) وهي ما حررناه كقولهم إن الصحابة قلدوا عمر في المنع من بيع ( 2 ) أمهات الأولاد ، في أن الطلاق يتبع الطلاق ، وهذه فرية ليس فيها مرية ، فإن الصحابة مختلفون في كلا المسألتين فمنهم من وافق عمر اجتهادا لا تقليدا ومنهم من خالفه ( 3 ) ، وقد كان الموافقون له يسألونه عن الدليل ويستروونه النصوص ، وشأن المقلد أن لا يبحث عن دليل بل يقبل الرأي ويترك الرواية ، ومن لم يكن هكذا فليس بمقلد . [ 8 ] : ومن جملة ما تمسكوا به أن الصحابة كانوا يفتون ورسول الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ - حتى بين أظهرهم وهذا تقليد لهم . ويجاب عن ذلك ( 4 ) بأنهم كانوا يفتون بالنصوص من الكتاب والسنة وذلك رواية
--> ( 1 ) انظر » إعلام الموقعين « ( 2 / 206 - 230 ) . ( 2 ) بل ورد في ذلك حديث عن أبي أبوب الأنصاري ، قال : سمعت رسول الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ - يقول « من فرق بين والدة وولدها فرق الله بينه وبين أحبته يوم القيامة » . وهو حديث صحيح . أخرجه أحمد ( 5 / 413 ) والترمذي رقم ( 1283 ) وقال : حديث حسن غريب . والدارمي ( 2 / 227 - 228 ) والدارقطني ( 3 / 67 رقم 256 ) والحاكم ( 2 / 55 ) وصححه على شرط مسلم . والقضاعي في مسند الشهاب ( 1 / 280 رقم 456 ) . ( 3 ) انظر تفصيل ذلك في « زاد الميعاد " ( 5 / 276 - 284 ) ( 4 ) قال ابن القيم في " إعلام الموقعين » ( 2 / 251 ) : أن فتواهم إنما كانت تبليغا عن الله ورسوله ، وكانوا بمنزلة المخبرين فقط ، لم تكن فتواهم ، ولا يفتون بغير النصوص ، ولم يكن المستفتون لهم يعتمدون إلا على ما يبلغونهم إياه عن نبيهم فيقولون : أمر بكذا وفعل كذا ونهى عن كذا هكذا كانت فتواهم ، فهي حجة على المستفتين كما هي حجة عليهم ، ولا فرق بينهم وبين المستفتين لهم في ذلك إلا في الواسطة بينهم وبين الرسول وعدهما ، والله ورسوله وسائر أهل العلم أنهم وأن مستفتيهم لم يعلموا إلا بما عملوه عن نبيهم وشاهدوه وسمعوه منه وهؤلاء بغير واسطة ، ولم يكن فيهم من يأخذ قول واحد من الأمة يحلل ما حلله ويحرم ويستبيح ما أباحه . وقد أنكر النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ - من أفتى بغير السنة منهم ، كما أنكر على أبي السنابل وكذبه ، وأنكر على من أفتي برجم الزاني البكر ، وأنكر على من أفتى باغتسال الجريح حتى مات ، وأنكر على من أفتى بغير علم كمن يفتي بما لا يعلم صحته ، وأخبر إن إثم المستفتى عليه ، فإفتاء الصحابة في حياته نوعان : أحدهما : كان يبلغه ويقرهم عليه ، فهو حجة بإقراره لا بمجرد إفتائهم . الثاني : ما كانوا يفتون به مبلغين له عن نبيهم ، فهم فيه رواة لا مقلدون ولا مقلدون . . . . . . .